محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
293
بدائع السلك في طبائع الملك
بها الا تلون البساتين بنورها ما بين أحمر وأبيض وهو من مذاهب الترف « 81 » . الثاني : ان الحضري ، كما سبقت الإشارة اليه ، لا يقدر على مباشرة حاجاته ، ولا على دفع مضاره : فالأول : لعجزه لما حصل له من الدعة ، أو ترفعه لما ربى عليه من الترف ، والثاني لما فقد من خلق البأس بالمربي في قهر التأديب والتعليم ، فهو لذلك عيال على الحامية المدافعة عنه . قال : ثم هو أيضا فاسد في دينه غالبا . بما أفسدت منه العوائد ، وما تلونت به النفس من ملكتها الا في الأقل النادر . قال : إذا فسد الانسان في قدرته . ثم في أخلاقه ودينه ، فقد فسدت انسانيته ، وصار مسخا على الحقيقة . فائدة قال : وبهذا الاعتبار كان الذين يقربون « 82 » من جند السلطان إلى البداوة والخشونة أنفع من الذين يربون على الحضارة وخلقها ، وهو موجود في كل دولة « 83 » . مزيد ايضاح : من مفاسد الحضارة ان كثيرا من ناشئة « 84 » الدولة وولدانهم ممن أهمل عن التأديب ، وغلب عليه خلق الجوار والصحاب ، يجاري السفلة في الخلق الذميمة ، وان كانوا ذوي أنساب وبيوت . قال : لان الانسان بشر متماثلون ، وانما تفاضلوا باكتساب الفضائل واجتناب الرذائل فمن استحكمت فيه صبغة الرذيلة ، وفسدت خلق الخير فيه ، لم ينفعه زكاء نفسه ولا طيب منبته . برهان وجود قال : ولهذا تجد كثيرا من أعقاب البيوتات وذوي الأحساب وأهل الدول منطرحين في الغمار ، منتحلين للحرف الدنية ، لما فسد من أخلاقهم ، ولما تلونوا به من صبغة الشر والسفسفة « 85 » .
--> ( 81 ) مقدمة : ج 3 ، ص 1012 - 1013 . ( 82 ) في مقدمة : يتقربون . ( 83 ) مقدمة : ج 3 ، ص 1014 . ( 84 ) م : حاشية . ( 85 ) مقدمة : ج 3 ، ص 1012 .